وطن قصة قصيرة لنزار راشد
Adnan Khalil
Publish Date: 20 Oct 2019

Alhawadeth Media

 

 

من فضائل أمي رحمها الله،أنّها كانت تحسن وفادة كل من أدعوه إلى البيت،وتظهر له البشاشة،بغض النظر عن رأيها فيه،أو أنها تحبس اعتراضها في صدرها،لتفضي به لي بعد أن يغادر،ولكني هذه المرة كسرت الحدود،ودعوت فايزة إلى البيت،بناء على طلبها،قالت:

أريد أن أرى مكتبتك!

كانت قد قرأت لي قصيدة في مجلة كانت تتابعها،وانتهزت فرصة عبوري بحانب سور بيتهم القصير،لتستوقفني قائلة:

أول ما شفت الصورة،قلت هذا ابن جيراننا،عندك مانع أشوف مكتبتك؟!

هذه المرة لم تستطع أمي كتم ما يحيك في صدرها حتى النهاية،ولم تلبث أن وجهت سؤالها إلى الفتاة:

-هل أخبرتِ أهلك أنك قادمة لزيارتنا؟

ابتسمت فايزة وهي تجيب رافعة جبينها بشيء من الدهشة:

-بالطبع فأنا لا أخرج من البيت،دون أن أخبر أمي إلى أين أنا ذاهبة!

أبدت أمي نوعاً من الارتياح وأردفت:

-ماذا أضيفك إذن؟

- لا شيء يا خالتي،أردت فقط أن أرى المكتبة!

لم تصر أمي ، وكأنها تستعجل مغادرتها.

فايزة ابنة لأسرة ميسورة،وقد استأجروا الفيلا الوحيدة،المقامة في حارتنا،التي أقامها صاحب الأرض،ثم رحل، لما تكاثرت البيوت المتوسطة الحال حول فيلته الأنيقة.

توثقت علاقتي بفايزة،حتى حسدني شباب الحارة كلهم،وهم يلمحوننا منهمكين في الحديث من على جانبي السور!

سارت الأمور عل هذا النحو إلى أن فاجأتني ذات مرة بسؤال:

-عمرك حبيت؟

وجاءت إجابتي عفوية بعد ترددٍ قصير:

-مش عارف!

انفجرت فايزة ضاحكةُ:

-كيف مش عارف؟معقول يعني؟

ثم اكتسى وجهها جدية وهي تستكمل استفساراتها،بفضول غريب وهاديء:

-بلاش!مش ناوي تحب؟

جاء دوري لأضحك هذه المرة، قلت وقد شجعتني بساطتها وأريحيتها:

- هل تريدنني أن أحبك؟

تضرج وجهها خلافأً لتوقعي، صمتت كأنها ترتب أفكارها، ثم رفعت رأسها ، وتكلمت وكأنها تدلي بتصريح:

-نحن مهاجرون إلى أمريكا، لقد رتبنا الأمور، أريد أن أرتبط بشخص ما، قبل أن أذهب، ربما ليس ارتباطا رسمياً،ولكن أن يكون هنا ما يشدني، ما أفكر فيه، والأفضل أن يكون شخص مثلك، فأنا من النوع الذي من الصعب أن يرتاح إلى أحد،على الأقل انا أثق فيك،يعني ببساطة إنت مش فضيحة كباقي الشباب،الذي ما أن يظفر بنظرة،حتى يذهب ليملأ العالم حديثاً عن مغامراته التي لم تحدث أصلاً!

لم نتمالك أنفسنا من الضحك،ثم مدت يديها عبر السوروأمسكت بيدي،وضغطتهما بشدة،وكأنها تريد أن تختزن هذا الإحساس بالملامسة الحميمة،في أعماق ذاكرتها البعيدة،وتدّخرها هناك!

لم تتوقف فايزة عن التواصل معي،ولغاية الآن لاتزال تبعث لي بالصور عبر الفيس بوك ،صورها بالقبعة الأمريكية، وصور الزوج والأولاد!

أما الأمر الأكثر غرابة،أنها توقفت عن القراءة،ولم تسألني عن كتاباتي وقصائدي ولا حتى عن المكتبة،ولا عن أمي،ولا حتى إن كنت تزوجت ام لا،وكأنها أرادت الاحتفاظ بصورتي كما تركتها،حتى لا تتغير تلك الصورة الجميلة التي تشدنا،إلى ما نريده أن يكون لنا الوطن!

 

أخبار ذات صلة

المزيد من الأخبار

كل التعليقات ( 0 )

جميع الحقوق محفوظة © 2022 الحوادث
طورت بواسطة : Zahid Raju