فلسطينية في مانهاتن' قصة قصيرة
Adnan Khalil
Publish Date: 18 Jul 2020

Alhawadeth Media

 

قصة لنزار حسين راشد

تمثال الحرية ،شاهد الزور هذا،أين الحرية إذا كنت أثناء جولتي السياحية قد تلقيت خمسة تعليقات بذيئة بسبب  حجاب زوجتي،الحاجة أم الإستلطاف،وحدهم المشردون يطلبون منك بلطف ثمن زجاجة'كوك'!

وعلى المقهى يخالسني النظر رجل بملامح صينية،أدعوه لمجالستنا فيتردّد مبدياً دهشته،أسأله عن اسمه فيجيبني:جورج!

-الأصل صيني؟

-لا أحد يسأل عن الأصل هنا!

-نعم صحيح لا يسأل ولكنه يعاملك على هذا الأساس!

يرفع حاجبيه دهشة:

- هل أنت صحفي؟

 - طبيب بغريزة صحفي.

يجيبني مبتسماً ُ: هذا واضح هل ستكتب؟

-بالطبع!

-على شخص ما أن يدون الحقيقة!

.....

المعبد اليهودي في شارع آلدرج، دعاية ككل أمريكا، ونقود، لم يتغير شيء منذ عهد المسيح عليه السلام: لا تجعلوا بيت ابي دكاناً للتجارة وبيع الحمام، رسوم الدخول البالغة ١٥ دولار للشخص، تذهب لصالح إسرائيل الفقيرة المسكينة! ضربت عليهم الذلة والمسكنة!

مقهى أو كفتيريا دانيال في مانهاتن، كنا جالسين نحتسي القهوة الامريكية مع فطيرة التفاح، وهي خير ما يتقنونه في أمريكا، فهي تقليد عريق، والسي.ان.ان تثرثر بنشرتها، حين توقفت أذني عند خبر لأتاكد من سماعه جيّداً:

مقتل الفتى الأسود مايكل براون في مدينة فيرغسون في ولاية ميزوري على يد شرطي أبيض..

هذا خبر سيتكرّر كثيراً في الزمن الامريكي، بغض النظر عمن يحكم أمريكا، ونحن الآن في عهد  باراك حسين أوباما الذي علقت عليه إحدى الكاتبات بأنه يتصرّف كرجل أبيض، أفلا تكون العنصرية لون بشرة بعد كل هذا، بل ولاء لشيء ما، فكرة ما أو تنكر لشيء ما أو فكرة ما

فقدنا شهيتتا، تركنا الفطائر والقهوة وخرجنا نضرب على غير هدى، فلا نرى غير الوجه القاتم لامريكا!، تطلل من دواخلنا المحبطة، لا من الشوارع الأنيقة، والبنايات الشاهقة!

لقد صدق توقعي إذن، تمثال الحرية يجب أن يحاكم بشهادة الزور!

لم نستطع حسم أمورنا، هل نذهب إلى الشواطيء لنخلو بأنفسنا، ونهرب من ضيق التتفس هذا الذي سبّبه هذا الخبر المزعج!

كنا هائمين على وجوهنا بعد أن أنهكنا الجوع، نبحث عن مطعم  لنرخي سيقاننا المتعبة كأولوية مقدمة على الطعام، حين ربتت يد على كتف وداد، التفتنا معاً وقد تنبهت حواسنا، كان الوجه لعربي ابتسم في وجوهنا: ألست أنت وداد بنت أبو سمير من بيت حنينا!

ولم ينتظر ردّاً، انا من بلدك وأعرف والدك، صديق والدي، كان يهدي لنا البالونات والطائرات الورقية الملونة حين يأتي من القدس، وكنت أنت دائماً برفقته!

-أهلاً وسهلاً! أهلاً وسهلاً! فرصة سعيدة! تشرفنا...تبالغ وداد في الترحيب إنها التقاليد العربية في قلب مانهاتن أمريكا!

ثم تردف:

-وماذا تفعل هنا في أمريكا؟!

-لقد جئت منذ ثلاثين سنة! أنا الآن أمتلك مطعماً عربياً وشقة في لونج آيلاند'وأدعوكم لتناول الغداء في مطعمي!

كل ما تشتهون من الأكلات العربية!

وتستدرك وداد:

-دعني اقدم لك زوجي توماس!

يصافحه بشدة ابن بلدنا الذي فاته ان يعرف عن اسمه!

يحاول كتم دهشته وهو يسأل بمرح:

-هل تزوجت من أمريكي؟لا بد أنك مقيمة هنا منذ زمن!

-لم تحزر! إنه سويدي، وتزوجته في القدس حيث كنا نعمل معاً وقد اعتنق الإسلام! أجيبك قبل أن تسألني!

يتضاحك الرجل ويشير لنا بيده: والآن إلى المطعم العربي ولكن أولاً إلى موقف السيارات! وتستوقفه وداد:

-قبل كل شيء،قل لنا ما اسمك أولاً!

يضرب الرجل جبينه براحته على الطريقة العربية:

-انا آسف! انا سامي! سامي خلف! ابن ابو محمود!

-تشرفنا- تقول وداد! وننطلق!.

.....

الفضاء المفتوح على امتداد البصر باتجاه البحر، يحرّر الروح ويطلقها خفيفة تسبح في ملكوت الله، أشجار النخيل تشيع في النفس السلام، وتذكرني بسورة مريم عليها السلام، تداخل الظل والضوء يرسم لوحة حانية، وكأنها عناق عاشقين، والطعام الحلال يريح الضمير أيضاً، وله مذاق مستساغ ومنعش، حتى أننا تخلينا عن فكرة زيارة المدينة الصينية، وضحكنا عالياً على فكرة مقالي الصراصير والنمل والحشرات، سامي اختفى عن المشهد بعد أن أوصى علينا بشدّة، لا يريد أن يسرق منا خصوصية الجلسة ولا حتى بإظهار الترحيب وحسن الضيافة.

تسرّبت الساعات من حولنا وكأنها دقائق، هذا ما تفعله الطمأنينة في النفس،تسرق منك الزمن، وأخيراً جاء سامي للترحيب بنا من جديد ودعوناه إلى الجلوس، وقال توم:

-لم يأت أحدٌ ليقدم لنا الشيك أو الفاتورة!

وضحك سامي: هذه ضيافة عربية! وبعد صمت هنيهة أضاف:

-هل تصدقون؟ أشعر معكم وكأنني في بلدي!

 ومن ثم مستفسراً: أين تقيمون بالمناسبة؟

ويغمز توم بعينه: في الريتز بلازا! لقد وعدتها بإقامة مترفة!

-ولماذا تتكلفون كل ذلك، لدي شقة مفروشة بإمكاني أن أستضيفكم بها!

وتنبري وداد معترضة: ماذا عن عائلتك، لا نريد أن نثقل على أحد!

عائلتي تقيم هنا في سكن ملحق بالمطعم، زوجتي مشرفة الطهو، ولكنها ليست هنا الآن وإلا لكنت قدّمتها إليكم!

أما الشقة الأخرى فهي في نيويورك،في المدينة، وهي الآن خالية ! ويضيف ضاحكاً: ما عليكم إلا أن تنتهزوا الفرصة!

وتسأل وداد في تشكك:

-وماذا عن الأولاد؟

ويجيب سامي بشيء من المرارة:

-الأولاد هربت بهم الزوجة الأمريكية! لا تدري لماذا! شيء شيطاني ينبت في رؤوسهن فجأة، مضى على ذلك سنوات، ولا أعرف لهم مكاناً ، حاولت ولكن عبثاً! أما عائشة فهي زوجتي الجديدة ، عربية، لي منها ابنة عمرها ثلاث سنوات، وجودهما الإثنتان في حياتي، يؤنسني ويملأ الفراغ الذي خلّفه الفقدان! ولا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا!

أخبار ذات صلة

المزيد من الأخبار

كل التعليقات ( 0 )

جميع الحقوق محفوظة © 2022 الحوادث
طورت بواسطة : Zahid Raju