تيه المثقفين
نزار حسين راشد
Publish Date: 23 Aug 2020

Alhawadeth Media

'

لم نعد نفّصل الحروف على قياس الحدث،كما كان يفعل كتّاب سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي،وكأن الكتابة كانت مبارزة بين ضدّين،وتحتاج إلى لأمة الفارس ودروعه،وزرده وسيوفه!

كانت الكتابة تحدّياً وإثبات موقف،لأن المواجهة حامية،ودائرة المواجهة ضيقة،ولكن دوائر تأثيرها تتسع،لتشمل العالم كُلّه،أو هكذا كان يُخيّل للكاتب.

الآن وفي ظلّ نقلة الوعي التي أحدثتها ثورة الإتصالات،أدركنا أننا لسنا لاعبين رئيسيين،وأن دورنا محدود،وأن الحدث مرسوم سلفاً،وزمامه في يد قوى خفيّة ومهيمنة،تتحكّم بمصائر البشر،وتسوقهم في دروب شَقّتها سلفاً.

فهل أُصبنا بالإحباط؟هل فقدنا حماسنا الثوري؟ودخلنا القفص،وأصبحنا مرتهبين ومرتهنين لبعبع اسمه كورونا؟

كورونا ليس فيروس وإنما ظاهرة،حولتنا إلى فئران مختبر،كما صرح بومبيو وزير خارجية أمريكا ترمب،وأصبحنا ننفذ التعليمات على طرف العصا،مثل قرود السيرك!

نعم لقد تحول العالم إلى سيرك كبير،يدار من هيئة مدراء،وأفرغت كلمة الإمبريالية من مضمونها، بعد أن أصبح الكل شركاء في إدارة المشهد،فلم يعد لها وطن،ولا بصمة ولا علم،فإلى من سنوجه سهامنا إذن وفي أي اتجاه؟

ابطال المشهد كومبارس يؤدون أدواراً،يتربعون وراء عجلة القيادة،ويتناوبون عليها،وحملوا رُتباً وألقاباً، كبيرة،وتركوا الشعوب في العراء،للجوع والخوف والحيرة،أما الشعوب فقد تحولت إلى غثاءٍ طافٍ على سطح الأحداث،بلا حولٍ ولا قوّة،ومدّ الطغاة أرجلهم واستراحوا.

فانتازيا عالمية فاقدة للمعايير.

واستأسد البغاث ولبس جلد الأسد،حتى صارت دويلة بحجم الكف،تتصرّف كدولة عظمى،ولها حضور سياسي وعسكري في كل ميادين العالم،فهل هذا إيهام،أم فيلم سينمائي بإخراج هوليوودي.

فقل لي عمّاذا نكتب وفي اي اتجاه سنوجٍه مؤشٍرنا؟!

بالأمس كان صراع أيديولوجيات،والآن أصبحت حرب مافيات وعصابات،فلم تعد للأفكار قيمة،وصارت بضاعة كاسدة،والتهم جاهزة ومفصلة،التدين تطرف والوطنية إرهاب،و قول الحق تحريض،والنقد جريمة،وحتى كاتم الصوت لم تعد له حاجة فالأسود يقتل في الشارع خنقاً والصحفي بين جدران قنصلية،والمتظاهر يطلق عليه الرصاص بدوي مسموع،ولم يعد للمرأة حرمة،فأنوثتها وصوتها تغتال أيضاً في الشارع.

فما الذي تبقى،قطعان من المتحرشين والجائعين جنسياً يزحمون الشوارع ووسائل المواصلات.

ولم يرشح عبر عازل الزمن من عصر التألق سوى صوت مظفر النواب'أولاد القحبة' أما ما تبقى فقد جرفه السيل،فلا غزليات نزار ولا وطنيات درويش ولا تراتيل فيروز ترجّع أي صدى!

فهل كان العالم هكذا دائماً،ولم يحدث الفرق في المشهد،سوى أن عيوننا انفتحت فجأة؟

نزار حسين راشد

Related News